املقدمة
َح َفل تاريخ الب�شرية مبظامل كثرية كان يف �صدارتها تلك التي عرفها العبيد ب�سبب
ا�سرتقاقهم وا�ستخدام قوة عملهم ج ًربا ،وحرمانهم من حريتهم ومعاناتهم اجلوع
وب�ؤ�س احلياة على يد ال�سادة واملالك ،ومل يكن �أمامهم من �سبل املقاومة �إال حماولة
الهرب من عبوديتهم ،التي كانت تنتهي عادة بالعودة �إلى الأ�سر واال�سرتقاق و�أحيا ًنا
بالقتل ،ورغم ذلك ا�ستمرت حماوالت املقاومة والتمرد حتى ظهرت القوانني التي
حتظر جتارة العبيد ومتنع اال�سرتقاق.
ومع انطالق الثورة ال�صناعية انتقل الب�ؤ�س من العبيد �إلى العمال ،الذين عانوا
بدورهم كث ًريا من تدين دخولهم و�سوء �أو�ضاع العمل املحفوفة باملخاطر التي تهدد
ال�صحة وتودي باحلياة ،حتى �صارت حمل ا�ستنكار �أ�صحاب ال�ضمائر ،وتردد
يف الأ�صداء �أنني العمال وبد�أ زعما�ؤهم يجهرون بال�شكوى ويدعون �إلى مقاومة
اال�ستغالل والدفاع عن حقوق العمال ،باعتبار �أن من واجبات املجتمع حماية
�أع�ضائه الذين يتعر�ضون لال�ستغالل ،وعليه حماية حق كل �أفراده يف �أن يعي�شوا
بكرامة و�أدمية.
وقد مرت مقاومة العمال لال�ستغالل مبراحل عدة ،وعرفت �صو ًرا خمتلفة من
االحتجاجات يف كل مكان ،حتى تكللت يف نهاية املطاف باحرتام حقوق العمال
وااللتزام ب�سيا�سات تدعو �إلى التخفيف من اال�ستغالل والفقر ،وتطبيق �إجراءات
لل�ضمان االجتماعي وحت�سني اخلدمات ال�صحية واالجتماعية و�إلزام الدول
واحلكومات بذلك ،من خالل م�سرية رائعة من الكفاح العمايل والت�ضحيات
العظيمة يف �سبيل االنعتاق من نري اال�ستغالل الر�أ�سمايل ،وقد �أقرت احلكومات
والدول بحقوق العمال باعتبارها ال�سبيل لإر�ساء ال�سالم العاملي والدائم ،وكانت تلك
17