ثانياً ،هناك ثنائية تاريخية وسمت السياسات العامة للدولة األردنية تمثلت بالحاجة إلى تحقيق درجة من التوازن
بين تطلعات وطموحات وحقوق المواطنين وبين مصالح القوى الدولية التي أقامت النظام اإلقليمي العربي في
بدايات القرن الماضي وشكلت سياسات اإلقليم وقدمت الرعاية والدعم المادي والسياسي للكيان األردني الحقاً.
وكان للرؤية الهاشمية دو اًر أساسياً في إدارة وتحقيق مثل هذا التوازن ،واستمرت تلعب دور الحكم ومن يدير عملية
الموازنة بين هذه المتعارضات خالل مختلف المراحل منذ قيام الدولة األردنية؛ وان كانت التناقضات القائمة حالياً
بين هذه المصالح بلغت درجة غير مسبوقة ،ومن الطبيعي أن تجد هذه التناقضات طريقها إلى السياسات الحكومية.
وقد انعكس هذا الواقع الذي اتسمت به الحالة الوطنية في األردن منذ بداية تأسيس اإلمارة /المملكة وحتى اليوم
على حقوق اإلنسان بشكل خاص ،خاصة فيما يتعلق بالحريات والحقوق المدنية والسياسية (حكومة صاحبة والية
عامة ومجلس أمة قوي ومستقل ،صحافة حرة واعدة ومهنية ومستقلة ،أحزاب قوية ذات قواعد شعبية ....الخ)
من عدمه.
لكن حقوق اإلنسان لم تكن فقط متأثرة بهذا العامل البنيوي .فمدى اا��لتزام بهذه الحقوق واحترامها وصيانتها يعتبر
بالمقابل مؤش اًر على نوعية البنى السياسية في أي دولة وعلى فاعليتها وطبيعة التأثير الذي تحدثه على الحالة
الوطنية برمتها ،السيما الكيفية التي تتم بها إدارة الموارد الوطنية والسياسات االقتصادية والمالية لتحقيق التنمية
على سبيل المثال .فإدماج حقوق اإلنسان في السياسات العامة يعد متطلباً جوهرياً لنجاح سياسات الدولة الموجهة
لتحقيق التنمية المستدامة ،ويدعم ذلك مجالس محافظات قوية تمارس الالمركزية بمعنى الكلمة.
لهذا فإن حدوث تغيير نوعي في حالة حقوق اإلنسان في المملكة يقتضي بالضرورة تغيير بنيوي وجذري في إدارة
هذه العالقة بين الداخل والخارج من حيث األهداف واألولويات والوسائل واألدوات مجتمعة .وكانت سياسات التنمية
من أبرز ما تأثر بهذه الحالة حيث كان هناك وبشكل ملحوظ حضو اًر لمفهوم "الدولة الريعية" ورديفه مبدأ " الزبون
وولي النعمة" في هذه السياسات في األردن والتي تم تبنيها خالل العقود الماضية ومست حقوق اإلنسان لألردنيين
بشكل جوهري .ويتبدى مفهوم "السلطة األبوية" بشكل عام عندما ُينظر إلى الفرد في ظروف معينة على أنه مجرد
"زبون" للدولة تقدم له هذه األخيرة الخدمات المختلفة بينما يقوم هو بمنح الدولة الوالء .واالختالف بين هذا المفهوم
وبين مفهوم المواطنة "أحد ركائز حقوق اإلنسان" واضح وجلي.
ففي حالة المواطنة يكون الفرد شريكاً وليس مجرد زبون للمؤسسات الرسمية؛ ويحصل على الخدمات ليس لقاء
إعالن الوالء أو التخلي عن حقوق سياسية بل كحق قانوني يمارسه في صنع السياسات والق اررات جميعها.
15
15