‫الف�صل الأول‪ :‬ت�أ�صيل املعايري الدولية حلقوق الإن�سان‬ ‫غدت حقوق الإن�سان ال�شغل ال�شاغل للمنظمات الدولية والهيئات الأممية‪ ،‬نظرا‬ ‫لإدراك الإن�سانية جمعاء �أن �ضمان وحماية وتعزيز هذه احلقوق هي �أف�ضل الطرائق‬ ‫ال�ستمرار العي�ش امل�شرتك على هذه الأر�ض‪ ،‬وتوالت اجلهود الب�شرية يف حماوالت‬ ‫اجتماعية و�سيا�سية وقانونية لت�أطري نظرية �شمولية عامة حتقق مبتغاها يف ال�ضمان‬ ‫الأمثل لهذه احلقوق‪ ،‬واليزال هذا اجلهد م�ستمرا نظرا ال�ستمرار االنتهاكات‪ ،‬ولتطور‬ ‫الإن�سانية وو�سائل العي�ش ب�شكل م�ستمر‪ ،‬مما يبقي هذه املنظومة قيد املراجعة‪.‬‬ ‫وعليه‪� ،‬سيتم احلديث يف هذا الف�صل عن مفهوم حقوق الإن�سان والت�أ�صيل التاريخي‬ ‫لهذا املفهوم يف املبحث الأول‪ ،‬وخ�صائ�ص حقوق الإن�سان يف املبحث الثاين‪� ،‬أما‬ ‫ت�صنيف حقوق الإن�سان ف�سيتم احلديث عنه يف املبحث الثالث‪ ،‬وتخ�صي�ص املبحث‬ ‫الرابع للحديث عن معايري الأمم املتحدة حلقوق الإن�سان‪ ،‬وباملبحث اخلام�س �سيتم‬ ‫التطرق �إىل ال�صكوك واملعاهدات الرئي�سة حلقوق الإن�سان‪ ،‬و�أخريا �سيتناول املبحث‬ ‫ال�ساد�س طبيعة االلتزامات املفرو�ضة على الدول مبوجب اتفاقيات حقوق الإن�سان‪.‬‬ ‫املبحث الأول‪ :‬مفهوم حقوق الإن�سان والتطور التاريخي‬ ‫ال يوجد تعريف حمدد ملفهوم حقوق الإن�سان ‪ ،‬باعتبار �أن هذا املفهوم متطور‬ ‫ومتغري وفقا لدرجة احلماية واالنتهاك‪ ،‬وعليه ُترك للباحثني �صوغ تعريف جامع‬ ‫مانع لهذا املفهوم‪ ،‬وكان من �أكرثها �شيوعا �أن حقوق الإن�سان هي جمموعة من‬ ‫احلقوق الأ�صيلة والطبيعية الالزمة واملال�صقة للإن�سان يف جميع �أنحاء العامل‬ ‫‪ ،‬دومنا متييز على �أي اعتبارات تتعلق باجلن�س �أو العرق �أو اللون �أو العقيدة �أو‬ ‫اللغة �أو الر�أي �أو الأ�صل االجتماعي �أو الرثوة �أو غريها‪ .‬وي�شكل الإن�سان حمور هذه‬ ‫‪1‬‬ ‫‪2‬‬ ‫(‪ )1‬ويعرف احلق لغة ب�أنه ال�شيء الثابت بال �شك �أو هو الن�صيب الواجب �سواء للفرد �أو للجماعة كما يعرف عند بع�ض اللغويني ب�أنه امللك واملال �أو‬ ‫الأمر املوجود الثابت‪ .‬انظر د‪ .‬فتحي الديريني‪ ،‬احلق ومدى �سلطان الدولة يف تقييده‪ ،‬عمان‪ ،‬دار الب�شري‪1997 ،‬م‪� ،‬ص ‪ .251‬كما �أن كلمة احلق‬ ‫وردت يف القر�آن الكرمي على نحو يزيد على ‪� 250‬آية ومبعان خمتلفة‪ ،‬كما وردت هذه الكلمة لت�شري �إىل املعنى ذاته الذي تعطيه لها �أدبيات حقوق‬ ‫الإن�سان املعا�صر ومن ذلك مثال ما ي�شري �إليه قوله تعاىل‪" :‬ويف �أموالهم حق لل�سائل واملحروم"‪ ،‬الذاريات‪� .19،‬أي�ضا قوله تعاىل‪" :‬و�آت ذا القربى‬ ‫حقه وامل�سكني وابن ال�سبيل"‪ ،‬الروم ‪ .38‬د‪� .‬أحمد الر�شيد‪ ،‬حقوق الإن�سان درا�سة مقارنة يف النظرية والتطبيق‪ ،‬القاهرة‪ ،‬مكتبة ال�شروق الدولية‪،‬‬ ‫ط ‪2003 ،1‬م‪� ،‬ص ‪.3‬‬ ‫(‪ )2‬ح�سب ما يرى موري�س كران�ستون ‪ Maurice Cranston‬يف م�ؤلفه "‪,anthologie des droits de l’home " 25,1p 1996 Paris‬‬ ‫�أن ما ن�سميه حقوق الإن�سان �سمي فيما قبل حقوقا طبيعية التي هي من �أ�صل القانون الطبيعي‪ ،‬و�أن حقوق الإن�سان تخ�ص كل �إن�سان يف كل احلقب‬ ‫التاريخية‪ ،‬فهي تخ�ص الإن�سان بكل ب�ساطة ال �أنه �إن�سان‪.‬‬ ‫‪16‬‬

Select target paragraph3