‫ظهور التوتر بشكل الفت للنظر بين اعتبارات األمن الوطني للدول وبين التزام هذه األخيرة بحماية حقوق اإلنسان‬ ‫ومنع انتهاكها‪.‬‬ ‫وللبيئة السياسية واالقتصادية واالجتماعية وحتى الجيوسياسية‪ ،‬سواء الكونية أو الوطنية‪ ،‬دورها في نشوء هذا التقاطع‬ ‫بين قيمتين حيويتين للدول وللمجتمعات في ِ‬ ‫آن؛ فاألمن الوطني ضرورة حيوية باعتباره الهدف األسمى ليس للدولة‬ ‫فقط‪ ،‬بل وللمجتمع وللنخبة وللنظام السياسي في الوقت نفسه‪ ،‬وحقوق اإلنسان هي أهم ركائز الشرعية للنظام‬ ‫السياسي واالستقرار والتقدم‪ ،‬وبالتالي هي من أقوى ركائز األمن الوطني‪ ،‬وتقتضي محاولة التوفيق بين هذين الهدفين‬ ‫النظر في مفهوم كل من األمن ومضامينه‪ ،‬وكذلك معايير ومبادئ حقوق اإلنسان‪.‬‬ ‫فمفهوم األمن يثير أسئلة كثيرة ومتشعبة‪ ،‬وأول هذه األسئلة يتعلق بتعريف األمن ذاته‪ ،‬فما المقصود باألمن؟ هل هو‬ ‫أمن الحاكم أم أمن المواطن؟ وهل هو أمن الدولة أم أمن المجتمع؟ وهل يوجد فرق بين االثنين‪ :‬الدولة‪ ،‬والمجتمع؟ ثم‬ ‫ما هو هذا الفرق؟ وان كانا مختلفين فعال‪ ،‬وان كانا متكاملين فلماذا توجد (محكمة أمن الدولة) مثال وال توجد محكمة‬ ‫أمن المجتمع؟ أو ليس القضاء النظامي هو الذي يجب أن يحمي كال من النظام السياسي والمجتمع معا؟‬ ‫لكن هذه السلسلة التي ال تنتهي من األسئلة تترك أيضا إشكالية أخرى‪ ،‬وهي واقع كل من األمن وحقوق اإلنسان في‬ ‫األنظمة غير الديمقراطية؛ حيث تبرز فجوة واسعة بين مصالح وأولويات النخبة الحاكمة والنظام السياسي من جهة‬ ‫وأولويات المجتمع ومصالحه من جهة أخرى بشأن األمن وغيره من القضايا الحيوية األخرى بما في ذلك حقوق‬ ‫اإلنسان‪ ،‬وأكثر ما يظهر هذا التفاوت عند بلوغ مرحلة تحديد األولويات‪ ،‬وصناعة أو بلورة خيارات مواجهة تحديات‬ ‫األمن وتحديد مصادر التهديد وتحديد الفرص والتحديات أمام كل من المجتمع والحكومة والمواطن معا‪ ،‬وبيان ماهية‬ ‫العالقة بين البنى السياسية التي تتولى إدارة الشأن الوطني باسم المجتمع ونيابة عنه‪ ،‬والبنى االجتماعية التي تستقبل‬ ‫نتائج مثل هذه اإلدارة للشأن األمني والتحديات المرتبطة بمصادر التهديد ذاتها‪.‬‬ ‫أما مفهوم حقوق اإلنسان‪ ،‬فهو أكثر بساطة ووضوحا من موضوع األمن؛ فالحديث عادة في هذا الشأن هو حول ما‬ ‫يعرف بالمنظومة الحديثة لحقوق اإلنسان التي تبلورت وأخذت عناصرها ومالمحها تتضح في أعقاب الحربين‬ ‫الكونيتين في القرن الماضي؛ وذلك لمعالجة ما رافق هاتين الحربين (وما سبقهما) خاصة على المسرح األوروبي من‬ ‫حروب جرت الويالت على المجتمعات في مختلف بقاع المعمورة وبشكل ال يوصف‪ ،‬لذلك تحرك المجتمع الدولي‬ ‫وقام بصياغة مواثيق وصكوك حقوق اإلنسان المعروفة‪ ،‬التي كان بدايتها اإلعالن العالمي لحقوق اإلنسان‪ ،‬ذلك‬ ‫الصك الذي أقرته ا��لمم المتحدة في العاشر من شهر كانون األول ‪ /‬عام ‪1948‬م‪ ،‬ليتلوه وينبثق عنه العديد من‬ ‫الصكوك واالتفاقيات التي شكلت ما يعرف باالتفاقيات التعاهدية أو المنظومة الدولية لحقوق اإلنسان‪ ،‬وتشمل هذه‬ ‫‪19‬‬

Select target paragraph3