ومع ذلك ،فإن هذه اإلجراءات الصارمة بقيت موسومة بعدم الشفافية؛ فهي لم تعلن بشكل كاف للجمهور ،وتم
التحقيق واصدار الحكم والعقوبة بشأنها من ِقبل القضاء الشرطي وليس من ِقبل جهة مستقلة؛ ولذلك ال يمكن أن يعتد
بهذه اإلجراءات بشكل عام ،حتى إنها لم تسهم في دحض االنطباع السائد بوجود ظاهرة اإلفالت من العقاب في
أوساط جهاز األمن العام ،ولم تسعف الجهود التي بذلت لتطوير عمل القضاء الشرطي؛ لذلك تحتاج إدارة األمن العام
إلى أن تغير مثل هذا النهج ،لكن هذا التطور يستدعي تعديالت تشريعية ،وخاصة للمادة ) (208من قانون العقوبات
رقم ( )16لعام (1960م).
كما ال بد من اإلشارة هنا إلى ارتفاع حوادث االعتداء على رجال األمن ،بما في ذلك القتل واإليذاء الجسيم من ِقبل
عصابات وجماعات منظمة ،سواء بدواعي االنتقام الشخصي كشكل من أشكال الخروج على القانون وتحدي األمن أو
نتيجة توجهات جرمية جنائية.
وبالرغم من أن حظر التعذيب يعتبر مبدأ أساسيا في المنظومة القانونية األردنية بموجب المادة ( )2/8من الدستور،
كما أن المادة ( )208عقوبات تجرم التعذيب (وان بقي مثل هذا التجريم متجزءا) ،فإن النتيجة في هذا المجال هي
استمرار القصور في البيئة التشريعية واقتران ذلك بالسياسات وببعض الممارسات ،مما أدى إلى غياب الشروط الكفيلة
لمباشرة التحقيق من جهة مستقلة ومحايدة في شكاوى وادعاءات التعذيب والتخلص نهائيا من إشكالية اإلفالت من
العقاب ،وتوفير التوثيق السليم لحاالت التعذيب وايقاع العقوبة المناسبة بحق مرتكبيها ،وكذلك التوصيف الجرمي
المالئم لهذه الجريمة؛ ناهيك عن تمكين الضحية من الحصول على التعويض المناسب ،ومنح المحاكم النظامية
االختصاص النوعي بالنظر في دعاوى التعذيب.
ومع ذلك ،يسجل هنا أن النيابة العامة المدنية قد باشرت التحقيق في دعاوى تعذيب محدودة ،وأسست سجال وطنيا
لقضايا التعذيب .علما أنقد تراجع عدد الشكاوى الفردية بشأن معاملة النزالء والموقوفين في مراكز التحقيق األولي،
باستثناء إدارتي البحث الجنائي وادارة المخدرات.
كما شرعت السلطات في مراجعة التشريعات الجزائية لتوفير المزيد من ضمانات المحاكمة العادلة ،لكن هذا لم ِ
ينه أو
يعالج التعريف المبهم للتعذيب والوسم بجريمة اإلرهاب لجرائم قد ال تكون كذلك ،وازدواجية التجريم ،وغياب الضمانات
اإلجرائية في المحاكمات التي تجريها محكمة أمن الدولة .والتطور المثير للقلق هو أن عام 2015م قد شهد توسعا
ملحوظا في استخدام مفهوم الترويج لجماعة إرهابية ودعم اإلرهاب بموجب المادة ( )2من قانون منع اإلرهاب ،وذلك
على عكس ما جاء في قانون العقوبات :المادة (.)147
14