توطئة
يعترب احلق يف املحاكمة العادلة جوه ًرا حلقوق الإن�سان :املدن ّية وال�سيا�س ّية
واالجتماع ّية واالقت�صاد ّية والثقاف ّية وحمال لها ،لأن �أ�سا�س و�سبب جلوء الفرد �إىل
الق�ضاء هما للذود عن احلق املعتدى عليه �أو عند ن�شوء خالف حوله ،وعليه يغدو
احلق يف حماكمة عادلة حمور ومناط احلماية الذي توالت الن�صو�ص واملواثيق
الدولية على ت�أكيده باعتباره يلبي جانب احلماية حلقوق الإن�سان.
ولطبيعة وتكوين هذا احلق من جهة ،ومن جهة �أخرى ،ل�ضمان الإعمال احلقيقي
والكامل ملنظومة حقوق الإن�سان ،درج العديد من النظم القانونية يف العامل -وت�أثرا
بذلك الفقه واملعايري الدولية -على تف�صيل ماهية املق�صود باملحاكمة العادلة،
و�آليات �ضمان �أن يخ�ضع الفرد ملحاكمة عادلة خالل �إجراءات ومراحل التقا�ضي
كافة ،مما ي�ؤكد نتيجة حتمية مفادها �أن الإعمال والتق ّيد مب�ضمون وجوهر املحاكمة
العادلة يتجليان ويظهران بتطبيق �ضمانات لتلك املحاكمة يتمتع بها الأفراد عند
جلوئهم �إىل ال�سلطة الق�ضائية ك�إحدى و�سائل الإن�صاف الوطني.
من هنا تنبع �أهمية �ضمانات املحاكمة العادلة كم�ضمون معياري وحقيقي للمحاكمة
العادلة ،ف�ضال عن الأهمية االجتماعية والثقافية وال�سيا�سية واالقت�صادية التي
تت�أتى من مراعاة هذه ال�ضمانات وفقا لأف�ضل املمار�سات .ودرجت الت�شريعات
والد�ساتري الوطنية للدول على الت�أكيد والإ�شارة �إىل احلق يف املحاكمة العادلة ،بل
بات ال يخلو د�ستور ميكن و�صفه بالدميقراطي �أو يراعي حقوق الإن�سان من الن�ص
�صراحة على احلق يف املحاكمة العادلة مقرونا بال�ضمانات التي تعزز وت�ضمن
التطبيق ال�سليم له.
و�إذا كانت وظيفة قانون العقوبات يف �سائر الأنظمة تكمن يف تكفله بحماية وت�أمني
م�صالح الأفراد واجلماعة ل�ضمان حد معقول من اال�ستقرار االجتماع�� واحلد من
ت�ضارب امل�صالح� ،إذا ما �سلمنا بقاعدة �أن الإن�سان مدين الطبع وبالتايل يخ�ضع
ملنظومة م�ؤ�س�سية يناط بها الف�صل يف �أي منازعة تن�ش�أ وت�ضمن احرتام قراراتها
باعتبارها املرجع غري التقليدي للح�صول على احلق ،ف�إن هذه الوظيفة لن تكتمل
8