وانطالقا من ذلك ،مل يظهر تعريف موحد حلقوق الإن�سان �أو ح�سم اجلدل الفقهي
حول الأمنوذج املثايل لتعريف حقوق الإن�سان ،وتباينت املفاهيم وفقا للزاوية التي
يتم النظر فيها �إىل هذا املفهوم .والإقرار ب�أن هذه احلقوق ثابتة جلميع �أفراد
الأ�سرة الب�شرية من قيمة وكرامة �أ�صيلتني فيهم ،وال ميكنهم من دونها �أن يعي�شوا
بكرامة كب�شر ،وهي �أ�سا�س احلرية والعدل وال�سالم ،و�إن من �ش�أن احرتامها �إتاحة
الفر�صة لتنمية الفرد واملجتمع تنمية كاملة.
فحقوق الإن�سان عاملية مرتابطة فيما بينها وغري قابلة للتجزئة �أو االنتقا�ص �أو
التق�سيم �سواء كانت حقوقا مدنية �أو �سيا�سية �أو اقت�صادية �أو اجتماعية �أو ثقافية
ف�إنها حقوق مت�ساوية ال تقبل امل�سا�س بها فهي ترتابط بع�ضها بع�ضا وتتفاعل
وتت�ضامن بينها باعتبار الكرامة الإن�سانية هي اجلوهر واملبد�أ الناظم جلميع
احلقوق ،وحماية هذه الكرامة الهدف النهائي من �إقرارها.
التطور التاريخي للمفهوم
6
هنا ال بد من الإ�شارة �إىل احلقبة التاريخية التي رافقت تطور حقوق الإن�سان ،حيث
بقيت ق�ضية حقوق الإن�سان على مدى عقود طويلة �ش�أنا داخليا وم�س�ألة ل�صيقة
بالدول ،فال يجوز للقانون الدويل �أن يهتم بها �أو حتى يقرتب منها� ،إال �أنه مع بداية
( )6ال بد من الإ�شارة �إىل �أنه عرب القرون الفائتة ومنذ �أربعة وع�شرين قرنا يف ال�صني على �سبيل املثال �أ�س�س الفيل�سوف (موزي) املدر�سة املوهية،
فل�سفة الأخالق التي �أكدت احرتام الآخرين واحرتام حقوقهم .ومن الهند انطلق جوتاما �سد هارتا بوذا ( 560-480ق.م) ،مثلت الفل�سفة
الدينية التي نبعت من تعاليمه حتليال ن�سقيا لطبيعة املعاناة و�أ�سبابها وتقدم العديد من الو�سائل لقهر هذه املعاناة �أو التغلب عليها ،البوذية متثل
تعاليم ب�سيطة ن�سبيا وي�سهل ا�ستيعابها ،حتتوي على الكثري من مبادئ امل�ساواة واحلرية ون�شر العدالة ،ويرى بوذا (�أن ال فرق بني ج�سم الأمري
وج�سم املت�سول الفقري وكذلك ال فرق بني روحيهما)� .أما يف ال�صني فقد �شكلت التعاليم الكونفو�شيو�سية والت�أويه البذور الدينية التي ت�سعى �إىل
ن�شر العدل وال�سالم بني النا�س� ،إذ �أن�ش�أ كونفو�شيو�س مذهبا �أخالقيا واجتماعيا دونه تالميذه يف كتاب �سمي (املختارات) ،وميكن تلخي�ص
�أفكار كونفو�شيو�س الأ�صلية على النحو التايل (على الإن�سان �أن يكون خريا �إىل �أق�صى حد ،و�أن �صفات مثل انعدام الأنانية واحرتام الآخرين
والأدب والوالء للأ�سرة والإخال�ص للأمري ،كلها �صفات الرجل املهذب اخلري الذي ال يتذمر وال ي�شكو وقت املحن ،وهو جريء وا�ضح يف م�س�ألة
احلق)� .أما ح�ضارة وادي الرافدين فقد وثقت �أقدم قانون مدون يف تاريخ الب�شرية املتمثل بـ(�شريعة حمورابي) �أ�شهر ملوك بابل زهاء عام
�ألفني قبل امليالد ،وقد ا�ستهلت املدونة بكالم �إله ال�شم�س الذي �أملى على حمورابي مدونته حيث يقول (�أنا حمورابي ملك القانون ،و�إياي وهبني
�إله ال�شم�س القوانني) .من جهة �أخرى ،لقد كان الإ�سالم �أول من قرر املبادئ اخلا�صة بحقوق الإن�سان �إذ �سبق جميع املواثيق املعروفة يف ت�أكيده
حقوق الإن�سان يف �شمول وعمق منذ �أكرث من �أربعة ع�شر قرنا ،وهذه احلقوق تعد منحة �إلهية ولي�ست منحة من ملك �أو حاكم �أو قرارا من �سلطة
حملية �أو منظمة دولية و�إمنا هي حقوق ملزمة بحكم م�صدرها الإلهي ،ال تقبل احلذف وال الن�سخ وال التعطيل ،وال ي�سمح باالعتداء عليها وال يجوز
التنازل عنها ،وهذا ناجت من نظرة الإ�سالم للإن�سان �إذ تقوم على االعرتاف بالإن�سان كما هو على حقيقته وهذا احلق هو �أ�صل حقوقه كلها .وقد
�أ�س�ست ال�شريعة الإ�سالمية مرجعية قانونية و�شرعية حلقوق الإن�سان من خالل ن�صو�ص القر�آن الكرمي و�سنة النبي حممد �صلى اهلل عليه و�سلم.
18